ابن الجوزي
12
زاد المسير في علم التفسير
والثالث : أن معنى * ( مبصرة ) * مبصرة ، فجرى " مفعل " ، مجرى " مفعل " ، والمعنى : أنها تبصر الناس ، أي : تريهم الأشياء ، قاله ابن الأنباري . ومعاني الأقوال تتقارب . قوله تعالى : * ( لتبتغوا فضلا من ربكم ) * أي : لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم وتطلبون رزقكم بالنهار * ( ولتعلموا عدد السنين والحساب ) * بمحو آية الليل ، ولولا ذلك ، لم يعرف الليل من النهار ، ولم يتبين العدد . * ( وكل شئ ) * أي : ما يحتاج إليه ، * ( فصلناه تفصيلا ) * بيناه تبيينا لا يلتبس معه بغيره . وكل إنسان ألزمنا طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا " 13 " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " 14 " قوله تعالى : * ( وكل إنسان ) * وقرأ ابن أبي عبلة " وكل " برفع وقرأ ابن مسعود ، وأبي ، والحسن * ( ألزمناه طيره ) * بياء ساكنة من غير ألف . وفي الطائر أربعة أقوال : أحدها : شقاوته وسعادته ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . قال مجاهد : ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي ، أو سعيد . والثاني : عمله ، قاله الفراء ، وعن الحسن كالقولين . والثالث : أنه ما يصيبه ، قاله خصيف . وقال أبو عبيدة : حظه . قال ابن قتيبة : والمعنى فيما أرى - والله أعلم - : أن لكل امرئ حظا من الخير والشر قد قضاه الله ، فهو لازم عنقه ، والعرب تقول لكل ما لزم الإنسان : قد لزم عنقه ، وهذا لك علي وفي عنقي حتى أخرج منه ، وإنما قيل للحظ من الخير والشر : " طائر " ، لقول العرب : جرى له الطائر بكذا من الخير ، وجرى له الطائر بكذا من الشر ، على طريق الفأل والطيرة ، فخاطبهم الله بما يستعملون ، وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر ، هو الذي يلزمه أعناقهم . وقال الأزهري : الأصل في هذا أن الله تعالى لما خلق آدم ، علم المطيع من ذريته ، والعاصي ، فكتب ما علمه منهم أجمعين ، وقضى سعادة من علمه مطيعا ، وشقاوة من علمه عاصيا ، فصار لكل منهم ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه ، فذلك قوله : * ( ألزمناه طائره في عنقه ) * . والرابع : أنه ما يتطير من مثله من شئ عمله ، وذكر العنق عبارة عن اللزوم له ، كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس ، هذا قول الزجاج . وقال ابن الأنباري : الأصل في تسميتهم العمل طائرا ،